ابن إدريس الحلي
194
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان
فصل : قوله « قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ » الآية : 16 . الفرار الذهاب عن الشيء خوفا منه . وانما فرق اللَّه بين الموت والقتل لان القتل غير الموت ، والقتل نقض بنية الحيوانية ، والموت ضد الحياة عند من أثبته معنى ، والقتل يقدر عليه غير اللَّه ، والموت لا يقدر عليه غيره . فصل : قوله « لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ » : الآيات : 21 - 25 . أي : اقتداء حسن في جميع ما يقوله ويفعله متى فعلتم مثله كان ذلك حسنا والمراد بذلك الحث على الجهاد والصبر عليه في حروبه والتسلية لهم مما ينالهم من المصائب ، فان النبي عليه السّلام شج رأسه وكسرت رباعيته في يوم أحد وقتل عمه حمزة ، فالتأسي به في الصبر على جميع ذلك من الأسوة الحسنة . وذلك يدل على أن الاقتداء بجميع أفعال النبي عليه السّلام حسن جائز ، الا ما قام الدليل على خلافه ، ولا يدل على وجوب الاقتداء به في أفعاله ، وانما يعلم ذلك بدليل آخر . فالأسوة حال لصاحبها يقتدي بها غيره فيما يقول به ، فالأسوة تكون في انسان وهي أسوة لغيره ، فمن تأسى بالحسن ففعله حسن . وقوله « فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَه » أي : منهم من صبر حتى قتل في سبيل اللَّه وخرج إلى ثواب ربه « ومِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ » ذلك « وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا » أي : لم يبدلوا الايمان بالنفاق ولا العهد بالحنث . وروي أن الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب وعلي ابن أبي طالب ، والذي قضى نحبه حمزة وجعفر ، والذي ينتظر علي عليه السّلام . قوله « ويُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ » لا يدل على أن ما يجب غفرانه من الكبائر عند التوبة يجوز تعليقه بالمشيئة ، لان على مذهبنا انما جاز ذلك لأنه لا يجب إسقاط العقاب بالتوبة عقلا ، وانما علمنا ذلك بالسمع ، وأن اللَّه يتفضل بذلك .